عمرو دياب في العقبة... كيف يحوّل "الهضبة" حفلاته إلى تجربة يكون فيها الجمهور شريكًا؟
في ليلة استثنائية حضرها أكثر من 10 آلاف شخص، قدّم عمرو دياب في العقبة حفلًا جمع بين التنظيم الدقيق، والتفاعل العفوي، وأغنيات الماضي وأحدث أعماله، مؤكدًا سر استمراره وتألقه بعد أكثر من 40 عامًا.
من العرض الموسيقي الذي تستعيد فيه فرقته أشهر أغنياته، إلى الفيلم الذي يوثّق مسيرته، وصولًا إلى قائمة غنائية مدروسة تتحرك برشاقة بين الماضي والحاضر؛ لا يترك عمرو دياب تفاصيل حفلاته للمصادفة، بل يصنع ليلة يكون فيها الجمهور شريكًا كاملًا في الغناء والفرح.
لا يمكن اختصار حفل لعمرو دياب في مجموعة من الأغنيات يصعد ليؤديها على المسرح ثم يغادر؛ فالهضبة يعرف جيدًا كيف يبني ليلته منذ اللحظة الأولى، وكيف يحوّل الحفل إلى تجربة متكاملة تبدأ قبل ظهوره، ثم تتصاعد تدريجيًا حتى تصل إلى ذروتها مع أغنياته الأكثر حيوية.
">
وفي حفل العقبة الأخير، الذي حضره أكثر من عشرة آلاف شخص، بدا واضحًا أن كل تفصيل في البرنامج وُضع في مكانه بعناية؛ بدءًا من التقديم الموسيقي للفرقة، مرورًا بالفيلم الذي يُعرض عن مسيرته ونجاحاته ومحطات حياته الفنية، وصولًا إلى لحظة ظهوره على المسرح، واختياره الأغنية التي يفتتح بها الحفل وتلك التي يقرر أن يودّع بها جمهوره.
قائمة غنائية لا تعرف العشوائية
يتعامل عمرو دياب مع قائمة أغنيات حفلاته كما لو كان يبني قصة موسيقية لها بداية وتصاعد ونهاية. فالأغنيات لا تُقدَّم بصورة عشوائية، وإنما تُقسَّم إلى مجموعات، أو فئات موسيقية، لكل منها إيقاعها ومزاجها الخاص؛ مجموعة تستدعي الحنين، وأخرى ترفع طاقة الجمهور، وثالثة تفتح المجال للغناء الجماعي، ثم تأتي الأغنيات الراقصة لتعيد إشعال المسرح.
وقبل ظهوره، تهيئ الفرقة الجمهور بعزف مقاطع من عدد من أشهر أغنياته، لتبدأ حالة الترقب مبكرًا. ثم يُعرض الفيلم الذي يختصر جانبًا من رحلة عمرو دياب الطويلة؛ نجاحاته وإنجازاته وتحولاته الفنية التي جعلته حاضرًا في ذاكرة أجيال متعاقبة.
هذه المرة، فاجأ الهضبة جمهوره بتغيير أحد الطقوس التي اعتادوها في حفلاته خلال السنوات الماضية؛ فلم يدخل على أنغام «أنا مهما كبرت صغير»، بل اختار «يا أنا يا لأ» لتكون بوابة ظهوره، قبل أن يختتم الحفل بأغنية «لولا البنات»، في انتقال يعكس حرصه على منح أعماله الحديثة مساحة أساسية داخل برنامجه الغنائي.
">
أغنيات جديدة وذاكرة ممتدة
قدّم عمرو دياب خلال الحفل عددًا من أحدث أعماله، من بينها «جيتلك» و«لولا البنات»، إلى جانب «خطفوني» من ألبوم «ابتدينا». كما غنّى «يا قمر» من ألبومه السابق «مكانك»، واستعاد مجموعة من أغنياته المحبوبة، ومنها «غلاوتك» و«وياه» و«ليلي نهاري».
لكن اللافت ليس عدد الأغنيات أو تنوعها فحسب، وإنما الطريقة التي يمرّ بها بينها؛ بخفة وسرعة تمنع الإيقاع من الهبوط، وتحافظ على حالة الترقب لدى الجمهور. فلا يشعر الحاضر بأنه ينتظر أغنيته المفضلة طويلًا، ولا يترك دياب مساحة للصمت أو الفتور تتسلل إلى الحفل.
هو يعرف متى يختصر الأغنية، ومتى يترك الجمهور يكملها، ومتى يعيد مقطعًا استجابة للحماس أمامه، ومتى ينتقل إلى أغنية جديدة قبل أن تتراجع الطاقة. إنها خبرة فنان لا يغني لجمهوره فقط، بل يراقبه ويقرأه لحظة بلحظة.

يضحكهم تارة ويوجّههم تارة أخرى
تكمن إحدى أبرز نقاط قوة عمرو دياب على المسرح في قدرته على كسر المسافة بين الفنان وجمهوره. فهو يضحكهم تارة، ويغني لهم تارة، ثم يتحول تارة أخرى إلى ما يشبه «ناظر المدرسة» الذي يوجّه الحاضرين وينظم تفاعلهم، قبل أن يعود ليمزح معهم وكأنه واحد منهم.

ومن المفارقات الكوميدية التي شهدها الحفل، مخاطبته المنظمين قائلًا: «علّوا السماعات... أنتم مش بتعلّوا السماعات ليه؟ الناس دي دافعين لكم فلوس كتير!»، في موقف جمع بين حرصه على جودة ما يصل إلى الجمهور وخفة ظله في توجيه الملاحظة.
وعندما حان وقت أغنية «ناقصاك القعدة دي»، طلب من جمهوره أن يفتح كل منهم مكالمة هاتفية مع صديق أو شخص يحبه، ليشاركه الاستماع إلى الأغنية. وبهذه الفكرة البسيطة، وسّع عمرو دياب دائرة الحفل إلى خارج المكان؛ فلم تعد الأغنية للحاضرين وحدهم، بل وصلت في اللحظة نفسها إلى أشخاص آخرين عبر هواتفهم.

هذا التفاعل ليس تفصيلًا إضافيًا في حفلاته، بل هو جزء أساسي من بنائها؛ فالجمهور لا يبقى في موقع المتلقي، وإنما يصبح شريكًا في صناعة الليلة، يغني ويقفز ويرقص ويصوّر، ويردد الكلمات التي ارتبطت بذكرياته وحياته.
وربما هنا تحديدًا يكمن سر المتعة في حفلات الهضبة؛ فحتى ذلك القادم من مكان بعيد، بعد رحلة طويلة وانتظار مرهق، لا يحتاج سوى إلى لحظات قليلة بعد ظهور عمرو دياب حتى ينسى تعبه. تتغير طاقة المكان فجأة، ويجد نفسه واقفًا يغني ويقفز مع آلاف الحاضرين، كأن التعب الذي سبق الحفل لم يكن موجودًا.
عمرو دياب لا يطالب الجمهور بالحماس، بل يعرف كيف يستخرجه منه.

إدارة لا تتوقف عند الغناء
على المسرح، لا يبدو عمرو دياب منفصلًا عن فرقته الموسيقية؛ فهو يتابع العازفين، ويوجّه الإيقاع، ويعطي الإشارات، ويتدخل في الانتقالات بين الأغنيات، وكأنه يدير المشهد من داخله، لا باعتباره المطرب الرئيسي فقط.
ويُعرف عنه اهتمامه الكبير بتفاصيل برنامجه الغنائي، واختيار ترتيب الأغنيات وتوزيع الفرقة وفق مخطط محدد، إلى جانب التأكد من مختلف عناصر الحفل قبل وصوله إلى المسرح. لذلك تظهر حفلاته، رغم ما يبدو فيها من عفوية، محكومة بإدارة دقيقة تمنحها انسيابيتها.
والعفوية هنا ليست نقيض التنظيم، بل نتيجته؛ فعندما تكون التفاصيل محسوبة، يصبح الفنان أكثر قدرة على اللعب معها وتغييرها والاستجابة للجمهور، من دون أن يفقد الحفل إيقاعه أو هويته.
حفلان خلال يومين
إحياء حفلين خلال يومين ليس مهمة سهلة، فبعد حفله في مدينة جدة في السعودية والتي حققت نجاحاً مبهراً٫ توجه إلى مدينة العقبة والذي أحياه بحرفيته الخاصة وبنفس جودة الأداء التي لا تتغير٫ خصوصًا مع ما تتطلبه حفلات عمرو دياب من حركة متواصلة وغناء وتفاعل مباشر مع آلاف الحاضرين. غير أن لياقته البدنية وبنيته الجسدية القوية وانضباطه المستمر تمنحه القدرة على الحفاظ على المستوى نفسه من الحيوية على المسرح.
وعلى المسرح، يتحرك عمرو دياب برشاقة وفرح، مستمتعًا بالموسيقى كأنه واحد من الجمهور لا صانعها، ويعمل بحب واضح، مقدّمًا حفلاته بحماس يكاد يفوق حماس جمهوره نفسه.

ولا تتعلق جاذبيته باللياقة وحدها؛ فهناك خفة الروح، والثقة، وتلك الهالة الخاصة التي تسبقه إلى المكان. حضوره لا يحتاج إلى استعراض زائد، لأنه يحمل معه تاريخًا غنائيًا طويلًا، وصورة فنية صنعتها عقود من النجاح، مع قدرة نادرة على البقاء قريبًا من الأجيال الجديدة.
ففي حفلاته، يقف من عرف «نور العين» عند صدورها إلى جانب شاب ربما اكتشف أغانيه عبر المنصات الرقمية. يردد أحدهما أغنيات التسعينيات، وينتظر الآخر «خطفوني» أو «لولا البنات»، فيما يجمعهما عمرو دياب في قائمة واحدة لا تبدو فيها الفجوة الزمنية حادة.

«أنا من الفلاحين»... فخر وبساطة قبل الوداع
وقبل الوداع، عاد عمرو دياب ليشكر منظمي الحفل، ويتحدث إلى جمهوره عن خطته في النجاح، كاشفًا بعفوية جانبًا من طريقته في التفكير والعمل. ثم قدّم مفارقة أخرى عندما قال: «لولا البنات أنا عملتها بعد ما نجحت بابا»، قبل أن يصفق على الطريقة الفلاحية ويغني من دون موسيقى.
وبفخر ممتزج بالتواضع والمحبة، قال لجمهوره: «أصل أنا من الفلاحين»، في لحظة بدت صادقة وقريبة من شخصيته؛ نجم يعرف حجم مكانته، لكنه لا يخجل من جذوره، بل يستحضرها على أكبر المسارح باعتزاز واضح.
ليلة حرّكت مدينة
لم يكن تأثير الحفل محصورًا في موقع إقامته؛ فقد تحولت فنادق العقبة إلى «كامل العدد» خلال 24 ساعة، وامتدت الحجوزات إلى البتراء وفنادق وادي موسى في جنوب الأردن، في مؤشر على قدرة الحدث الفني الكبير على تحريك النشاط السياحي والفندقي خارج حدود المسرح.
لقد جاء بعض الحاضرين من مناطق بعيدة، ورتّب آخرون رحلاتهم وإقامتهم من أجل ليلة واحدة. وهذه الجماهيرية لا تصنعها أغنية ناجحة أو موسم عابر، بل علاقة طويلة بناها عمرو دياب مع جمهوره، وواصل تجديدها من دون أن يقطع صلته بتاريخه.
في العقبة، قدّم الهضبة واحدة من أجمل ليالي حفلاته؛ ليلة جمعت بين التنظيم المحكم والعفوية، وبين الأغنيات الجديدة وذاكرة تمتد لعقود. ومع كل انتقالة موسيقية وحديث مباشر مع الجمهور، كان يؤكد مجددًا أنه لا يزال يعرف كيف يرضي محبيه، وكيف يمنح كل جيل أغنيته الخاصة داخل الحفل نفسه.
">
اختلفتم عليه أو اتفقتم... عمرو دياب «إداري ناجح»
اختلفتم عليه أو اتفقتم، ربما يكمن أحد أهم أسرار استمرار مسيرة عمرو دياب في أنه «إداري ناجح»، قادر على ضبط نمط حياته بالقدر نفسه الذي يضبط به إيقاع أغنياته وحفلاته. يعرف كيف يدير موهبته ووقته وصورته الفنية وجسده وصوته، وكيف يختار ما يناسب كل مرحلة من دون أن يفقد هويته.
ولهذا أصبح أسطورة عربية وفنانًا نادرًا احترم جمهوره طوال أكثر من أربعين عامًا. فعلى الرغم من إدراكه أن اسمه وحده قادر على تحقيق النجاح، لم يتعامل يومًا مع هذا النجاح بوصفه أمرًا مضمونًا؛ بل استمر في تقديم أجمل أشكال الموسيقى والفنون، وفي البحث عن التجدد، حتى بقي حاضرًا مع كل جيل.
وفي حفلاته اليوم، يمكن أن تجد طفلًا في الخامسة من عمره يغني إلى جانب شاب في العشرين، وأشخاصًا من مواليد السبعينيات والستينيات، وبينهم أجيال كاملة صنعت أغنياته جزءًا من ذاكرتها. وربما لا توجد شهادة أوضح على خلود الفنان من أن يجتمع أمامه هذا العمر الإنساني كله، ويردد معه الكلمات نفسها.
ولم ينسَ عمرو دياب أن يوجّه الشكر إلى جمهوره بعد انتهاء الحفل، فنشر عبر حساباته الرسمية صورًا من الليلة، وكتب: «العقبة، مرّ وقت طويل... أنتم دائمًا تعرفون كيف تحتفلون. لحظات ساحرة من حفل الليلة الماضية في العقبة بالأردن».
وبعد هذه التغطية الخاصة، تتقدم «بيرلا» إلى الهضبة عمرو دياب بأجمل التمنيات بطول العمر، وبمزيد من السعادة والصحة والنجاح، ليستمر في صناعة الموسيقى والفرح، وفي جمع الأجيال حول أغنية لا تشيخ.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
واو
0
حزين
0
غاضب
0
تعليقات (0)