5 استراتيجيات علمية لتقوية الذاكرة وتجنب التدهور المعرفي

يقدم خبراء الأعصاب خمس استراتيجيات يومية مثبتة علمياً لتعزيز الذاكرة وتنشيط خلايا الدماغ؛ بدءاً من التمارين الرياضية والتأمل الواعي، وصولاً إلى بناء الروابط الاجتماعية وألعاب العقل، لحماية قدراتك الإدراكية مع التقدم في العمر.

سبتمبر 24, 2026 - 01:47
0 283
5 استراتيجيات علمية لتقوية الذاكرة وتجنب التدهور المعرفي

سواء كنت تحاول تذكر اسم البرنامج التلفزيوني الذي أوصاك به صديقك، أو المكان الذي رأيت فيه مفاتيحك للمرة الأخيرة—وتكاد تقسم أنك تركتها على الطاولة بجوار الباب!—فإن الذاكرة تظل إحدى وظائف الدماغ الغامضة التي نخشى تراجعها مع التقدم في السن؛ إذ تؤثر في كل شيء، بدءاً من إحساسنا بذواتنا وصولاً إلى كيفية إدارة تفاصيل حياتنا اليومية.

يقول الدكتور غاري سمول، مدير قسم العلاجات السلوكية المبتكرة في منظومة "هاكنساك ميريديان هيلث"، وأستاذ الطب النفسي والصحة السلوكية في كلية الطب التابعة لها، ومؤلف كتاب أسبوعان للحصول على دماغ أكثر شباباً: "يريد الناس تذكر قائمة مشترياتهم. وعندما يسيرون في الشارع ويقابلون شخصاً يعرفونه، يريدون استرجاع اسمه فوراً بدلاً من التردد والقول: (مرحباً.. أهلاً، كيف حالك؟)، ليقولوا بثقة: (مرحباً يا ماري، كيف حالك؟)".

إلا أن الذاكرة أعقد بكثير من مجرد انتزاع كلمة أو اسم من سجل محفوظ داخل الرأس؛ فتذكر اسم صديق، على سبيل المثال، يرتبط أيضاً بسرعة معالجة الدماغ للمعلومات، وقدرتك على التركيز، ومجموعة واسعة من العوامل الأخرى القابلة للتطوير. ومثل معظم المهارات في الحياة—ومعظم عضلات جسدك—تستطيع الحفاظ على قوتها متى بذلت بعض الجهد الموجه.

من الضروري تذكّر أن الذاكرة قد تكون مراوغة وتتعرض لخلل عابر في بعض الأحيان، بغض النظر عن المرحلة العمرية. وتشير الدكتورة شيري دي. أول، الحاصلة على الدكتوراه، والمالكة والمديرة لـ "مركز شيكاغو للصحة المعرفية" ومؤلفة كتاب علم أعصاب الذاكرة، إلى أن "الأشخاص فوق سن الأربعين ينسون تماماً أنهم كانوا ينسون أشياء عديدة حين كانوا في العشرينيات من عمرهم أيضاً".

وعلى خلاف ما قد تكون سمعته، لا يتوقف دماغك عن النمو والارتقاء بمجرد تخرجك ودخولك معترك العمل؛ فبفضل خاصية المرونة العصبية (Neuroplasticity)، يمتلك الدماغ القدرة على تعديل بنيته ووظائفه طوال مسيرة حياتك، بل يمكنك إنتاج خلايا دماغية جديدة حتى بعد سن التقاعد. بعبارة أخرى: إن أردت جعل دماغك أقوى، فأنت قادر على ذلك تماماً. وتوضح الدكتورة "أول": "من خلال تدريب الدماغ، يمكنك تعزيز تركيزك، وتوسيع ذاكرتك العاملة، وتحقيق ما هو أكثر من ذلك بكثير".

أساسيات تدريب الدماغ

بعد تعرض شخص ما لسكتة دماغية أو إصابة دماغية أخرى، يمكنه إعادة تأهيل مهاراته المعرفية بنوعين من استراتيجيات تدريب الدماغ: التعويضية والاستردادية. وتصلح هاتان الاستراتيجيتان لأي فرد يطمح إلى تحفيز قدراته المعرفية وشحذها:

  • الاستراتيجيات التعويضية (Compensatory strategies): تشكل الجزء الأكبر مما يمكنك فعله لأجل دماغك، وعملها يشبه دور العكاز الذي يعينك على المشي عند كسر الساق. وتتمثل في عادات تنظيمية مثل تعليق مفاتيح السيارة دائماً على خطاف بجوار الباب، أو تأليف لحن مميز لتذكر عنوان معين، أو تكرار اسم شخص جديد عند التعرف عليه لتثبيته في الذاكرة.

  • الاستراتيجيات الاستردادية (Restorative strategies): تهدف فعلياً إلى إصلاح وظائف الدماغ أو تحسينها جذرياً؛ مثل إعادة تدريب المتعافي من السكتة الدماغية على المشي أو النطق من جديد.

وتضيف الدكتورة "أول": "هناك سلوكيات صحية أخرى داعمة لصحة الدماغ يمكنك تبنيها—كالحصول على قسط كافٍ من النوم والتغذية الجيدة—لتركيز ذاكرتك، ورفع جودة الاسترجاع والاستيعاب".

بالطبع لا يمكنك توقع التحول إلى عبقري بين عشية وضحاها، غير أنك قادر على إحداث قفزات ملحوظة. ويعلق الدكتور سمول قائلاً: "الأمر الواقعي يعتمد تماماً على ما يرغب الناس في بذله؛ فتماماً مثل الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية لبناء القوة البدنية، ستحصد من النتائج بقدر ما تضعه من مجهود".

ورغم استمرار الباحثين في فك ألغاز الدماغ، وعدم وجود وصفة سحرية تضمن بمفردها تفادي التراجع المعرفي، فإن الاستراتيجيات الخمس التالية أثبتت فعاليتها علمياً في تحسين معالجة المعلومات، التركيز عليها، تخزينها، واسترجاعها بسهولة:

1. الالتزام بالتمارين الرياضية

اسأل أي خبير في شؤون الدماغ، وسيخبرك بأن الوسيلة الأشد فعالية لتحفيز عقلك هي تحريك جسدك. تقول الدكتورة "أول": "لدينا أدلة علمية قوية للغاية تثبت أن ممارسة الرياضة تساعد في نمو خلايا دماغية جديدة، وتزيد الروابط والمسارات العصبية، وتحفز إنتاج عوامل نمو الأعصاب—التي تعمل بمثابة سماد خارق لخلايا دماغك".

تناولت الدراسات الفوائد المعرفية لشتى الأنشطة، من ركوب الدراجة إلى تمرين وضعية الطائر (Bird pose). وأظهرت إحدى الدراسات أن الممارسة المنتظمة لليوغا أدت إلى زيادة حجم الحُصين (Hippocampus)—وهو الجزء المسؤول عن الذاكرة في الدماغ—وتوسيع القشرة الجبهية الأمامية؛ وكلاهما يسهم في تفادي التدهور العصبي المرتبط بالعمر.

وكشفت دراسة صغيرة أخرى أن التدريب المتواتر عالي الكثافة (HIIT) للبالغين من سن الستين فما فوق رفع أداء الذاكرة بنسبة تصل إلى 30%. وركز هذا البحث، المنشور في مجلة Applied Physiology, Nutrition, and Metabolism، على "ذاكرة التداخل العالي" (High-interference memory)، وهي المسؤولة عن مساعدتك في التمييز الدقيق بين سيارتين من نفس الطراز والموديل.

وإن كنت تفضل التمارين التي تمتزج بالموسيقى والمرح، فإن الأبحاث تبين أن الرقص وسيلة بالغة الفعالية لتمرين الدماغ؛ نظراً للتحدي الذهني المستمر الذي تفرضه حركات الرقص التعبيرية المتتابعة (Choreography).

القاعدة الأساسية: اختر مساراً رياضياً تستمتع به حقاً، واثبت عليه بانتظام.

2. تعلم أشياء جديدة

لا يعني ذلك بالضرورة تعلم العزف على البيانو أو إتقان اللغة الكورية (وإن كانت تحديات قيّمة بلا شك!). فتلك المهارات تشحذ عقلك حتماً، لكنها بالغة الصعوبة، وإذا شعرت بالإحباط وتوقفت، فلن تحقق النتيجة المرجوة.

عوضاً عن ذلك، فكر في أنشطة جديدة تثير شغفك وترغب في ممارستها يوماً بعد يوم. يقول الدكتور سمول: "الفكرة تكمن في تدريب الدماغ لا إجهاده. يحتاج كل واحد منا لإيجاد نقطة انطلاق ملائمة تجعل الأنشطة المختارة ممتعة وتمنحه دافعاً للتفوق فيها".

قد يعني هذا الارتقاء بروتينك الصباحي في حل الألغاز عبر خلط ألعاب "السودوكو" والألغاز المنطقية والكلمات المشفرة مع الكلمات المتقاطعة المعتادة. وإن كنت تحب الرسم والتلوين، فجرّب حضور دروس الرسم الحر. تدرّج في المهارات الجديدة استناداً إلى ما تحبه بالفعل؛ إذ يساعد رفع سقف التحدي تدريجياً على ابتكار مسارات عصبية جديدة داخل دماغك بدلاً من تنشيط المسارات القديمة مراراً وتكراراً.

ويوضح الدكتور سمول: "إذا التزمت بالعمل على أي نوع من المهام العقلية، فستتحسن وتصبح أسرع فيها مع مرور الوقت. جميعنا نمتلك القدرة على التحسن، والمسألة مسألة ممارسة فقط".

3. ممارسة التأمل الواعي (Mindful Meditation)

لن تتمكن من تذكر اسم شخص تعرفت عليه للتو، أو الأغراض الخمسة التي طُلبت منك في السوبرماركت، إذا كنت فاقداً للتركيز؛ وهنا يفيدك تخصيص دقائق معدودة من التأمل يومياً.

أثبتت الأبحاث أن الجلسات القصيرة من التأمل الواعي تمنحك فوائد فورية؛ ففي دراسة محدودة، استمع مبتدئون لتسجيل صوتي موجّه للتأمل لمدة 10 دقائق فقط، وشهدوا على إثرها تحسناً فورياً في الانتباه، والدقة، وسرعة رد الفعل في مهمة نُفذت لاحقاً مقارنة بمجموعة ضابطة. وكشفت مراجعة علمية حديثة أن كبار السن الذين واظبوا على التأمل لسنوات طويلة امتلكوا أدمغة أصغر عمراً من أقرانهم الذين لم يمارسوه.

وتذكر الدكتورة "أول": "الانتباه هو المجال المعرفي الأكثر مرونة وقابلية للتشكيل بناءً على ما أثبتته الدراسات. التأمل استراتيجية ممتازة لتقوية الدماغ، حتى لو اقتصر على التركيز في أنفاسك خلال تلك الدقائق. وعندما يتأمل الناس على مدار أسابيع، ينمو لديهم الحُصين، ويزداد حجم القشرة الجبهية الأمامية، في حين تتقلص اللوزة الدماغية (Amygdala) المسؤولة عن التقاط إشارات الخوف والتهديد".

هذه الجزئية الأخيرة غاية في الأهمية، فلا يمكن للإنسان التركيز وهو تحت وطأة الذعر أو التوتر. وتضيف الدكتورة "أول": "الكورتيزول سام لخلايا الدماغ. لا يمكنك استئصال كل ضغوطاتك، لكن بإمكانك الاستعانة بالتأمل للخروج من وضعية القتال أو الهروب (Fight-or-flight)".

4. تعزيز الروابط الاجتماعية

المشي المنتظم مع جار، أو الانضمام إلى فريق مسابقات، أو تحديد مكالمة أسبوعية بالفيديو مع صديق يقيم بعيداً، يعد بمثابة بلسم ينعش دماغك. يقول الدكتور آدم غازالي، المدير التنفيذي ومؤسس "Neuroscape"—مركز العلوم العصبية بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو المعني بالربط بين التكنولوجيا وصحة الدماغ: "البيانات العلمية مقنعة تماماً بأن العزلة لا تؤثر فقط على طول العمر، بل على جودة الحياة ذاتها".

المسألة لا تتوقف عند مخاطر العزلة في تسريع التراجع المعرفي فحسب، بل تمتد إلى كون التواصل الاجتماعي محفزاً ذهنياً متكاملاً لتعلم الجديد. يقول الدكتور سمول: "عندما تجري محادثات مع الآخرين، فأنت تعمل على تشغيل دماغك بالكامل". ووفقاً لدراسة منشورة في Social Psychological and Personality Science، فإن خوض محادثة تفاعلية لمدة 10 دقائق فقط (وليست جدالاً حاداً) يرفع من كفاءة الوظائف التنفيذية مثل الذاكرة العاملة والقدرة على قمع المشتتات.

5. ممارسة ألعاب تدريب الدماغ

تحولت ألعاب تدريب الدماغ إلى صناعة تقدر بمليارات الدولارات وتصاعدت بقوة إبان فترة الإغلاق والحاجة للتعلم الإلكتروني. وإن كنت تتساءل عما إذا كانت التطبيقات التي تظهر إعلاناتها في صفحتك تستحق التجربة حقاً، فالإجابة العلمية المختصرة هي: ربما.

أول ما ينبغي إدراكه هو أن هذه الألعاب ليست متساوية في القيمة؛ إذ يوضح الدكتور غازالي، الذي يعمل مختبره على تطوير واختبار تقنيات ألعاب الفيديو لتعزيز صحة الدماغ منذ أكثر من عقد: "هناك ألعاب ممتازة وألعاب رديئة، والتفاصيل تصنع الفارق".

علاوة على ذلك، تستهدف الألعاب أهدافاً معرفية متباينة؛ فبعضها هادئ واستراتيجي لتعزيز مهارات التفكير العميق، بينما يعتمد البعض الآخر على الحركة السريعة لرفع وتيرة المعالجة الذهنية. ويضيف الدكتور غازالي، الذي يسعى لفهم كيفية انعكاس مهارات الانتباه المكتسبة داخل اللعبة على تفاصيل الحياة اليومية: "التحدي القائم هو أن كثيراً من البيانات العلمية الحالية ما زالت متباينة وغير حاسمة".

وحتى الآن، لا تتوفر أبحاث قاطعة تؤكد الفوائد الكبرى للألعاب التجارية المتاحة، لكنها تظل مسلية وممتعة ومن المحتمل أن تقدم نفعاً معرفياً، لذا فلا ضرر إطلاقاً من تجربتها.

قد يبدو الالتزام بكل هذه السلوكيات مجتمعة عبئاً، غير أن السر لتسهيل الرحلة هو التعامل معها كأنشطة ترفيهية وممتعة وليست فروضاً ثقيلة. وسواء كان ذلك عبر جولة بالدراجة الهوائية أو اقتناص 10 دقائق للتأمل وإبعاد التوتر، اجعل هذه العناصر المحفزة للذاكرة لمسة ممتعة تضيف إشراقة إضافية لقدراتك العقلية.

الأسئلة المتكررة

ج: لا؛ بفضل خاصية "المرونة العصبية" (Neuroplasticity)، يحتفظ الدماغ بالقدرة على إعادة تشكيل مساراته العصبية وإنتاج خلايا جديدة حتى بعد سن التقاعد.

تشير الأبحاث إلى أن التمارين الهوائية المنتظمة، والتدريب المتواتر عالي الكثافة (HIIT)، واليوغا، والرقص تُحدث تأثيراً مباشراً في زيادة حجم الحُصين المسؤول عن معالجة الذكريات.

يسهم التأمل في تقليص حجم اللوزة الدماغية المسؤولة عن إفراز هرمون الكورتيزول الضار بالأعصاب، مما يقلل مستويات التوتر ويعزز التركيز والذاكرة العاملة.

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
واو واو 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0

تعليقات (0)

User