الإسقاط النجمي حقيقة أم وهم؟
دراسة حديثة تعيد الجدل حول الإسقاط النجمي وتجارب الخروج من الجسد. فما الذي أثبته العلماء فعلاً، وهل يستطيع الوعي مغادرة الجسد؟
هل يمكن للإنسان أن يشعر بأنه غادر جسده، ينظر إليه من الخارج، أو حتى «يزور» مكاناً بعيداً بينما يبقى جسده في مكانه؟ هذا بالضبط ما يصفه بعض الأشخاص عند الحديث عن الإسقاط النجمي أو ما يعرف علمياً باسم تجربة الخروج من الجسد Out-of-Body Experience.
روايات هذه التجارب موجودة منذ قرون، وتظهر بأشكال مختلفة في ثقافات ومعتقدات عديدة. بعض الأشخاص يصفون شعوراً بالطفو فوق أجسادهم، وآخرون يؤكدون أنهم رأوا الغرفة من زاوية لم يكن من المفترض أن يستطيعوا رؤيتها، بينما يربط آخرون التجربة بحالات النوم أو التأمل أو تجارب الاقتراب من الموت.
لكن السؤال الأكثر إثارة يبقى: هل يغادر الوعي الجسد بالفعل، أم أن الدماغ يخلق تجربة شديدة الواقعية تجعل الشخص مقتنعاً بذلك؟
بحث حديث من جامعة فيرجينيا أعاد هذا السؤال إلى الواجهة، بعدما وضع مجموعة من الأشخاص الذين سبق أن اختبروا تجارب من هذا النوع أمام اختبار مصمم لمعرفة ما إذا كانوا يستطيعون الحصول على معلومات لا تصل إليها حواسهم العادية. والنتائج كانت أكثر تعقيداً مما قد توحي به العناوين المثيرة.
بدايةً.. ما الإسقاط النجمي؟
مصطلح الإسقاط النجمي

يستخدم غالباً في السياقات الروحية والباطنية لوصف فكرة انفصال الوعي أو ما يسمى «الجسد النجمي» عن الجسد المادي، وقدرته على الانتقال إلى أماكن أخرى.
أما العلم فلا يستخدم عادة هذا المصطلح لوصف ظاهرة مثبتة، بل يدرس ما يسمى تجارب الخروج من الجسد، وهي تجربة ذاتية يشعر خلالها الإنسان بأن موقع إدراكه أو وعيه لم يعد داخل جسده.
وقد يصف الشخص نفسه وكأنه ينظر إلى جسده من الأعلى، أو يشعر بأنه يطفو في المكان، أو يرى المشهد من منظور مختلف تماماً عن موقع جسده الحقيقي.
الفرق بين المصطلحين مهم؛ لأن وجود تجربة نفسية حقيقية لا يعني بالضرورة أن تفسيرها الروحي مثبت.
يمكن للإنسان أن يمر بتجربة خروج من الجسد ويشعر بأنها حقيقية تماماً، بينما يبقى السؤال العلمي مختلفاً: ما الذي أحدث هذه التجربة، وهل انتقل الوعي فعلياً إلى مكان آخر؟
دراسة حديثة تختبر الأمر بطريقة مباشرة
في تجربة أجريت في البرازيل ونشر فريق مرتبط بكلية الطب في جامعة فيرجينيا نتائجها عام 2026، شارك 21 شخصاً لديهم خبرات سابقة مرتبطة بتجارب الخروج من الجسد.
جلس المشاركون في غرفة منفصلة، بينما وُضع في غرفة أخرى جهاز كمبيوتر يعرض صورة عشوائية لجسم من بين مجموعة من الصور.
كانت الفكرة واضحة: إذا تمكن شخص أثناء تجربة الخروج من الجسد من الانتقال فعلاً إلى الغرفة الأخرى، فهل سيتمكن من وصف الصورة التي لا يستطيع رؤيتها بعينيه؟
من بين المشاركين، قال 10 أشخاص إنهم مروا بتجربة خروج من الجسد أثناء الاختبار، بينما قدم 13 مشاركاً أوصافاً لما اعتقدوا أنه الهدف الموجود في الغرفة الأخرى.
لكن النتيجة الأساسية جاءت حاسمة: الأوصاف لم تكن أكثر دقة إحصائياً مما يمكن توقعه عن طريق التخمين. وبمعنى أبسط، لم تثبت التجربة أن المشاركين استطاعوا رؤية الصورة المخفية من مكان آخر.
لكن حدث شيء لم يكن الباحثون يتوقعونه
هنا ظهرت التفاصيل التي جعلت الدراسة تلفت الانتباه.
بعد انتهاء الاختبارات، وصف اثنان من المشاركين، بصورة عفوية، مواقع بعض الباحثين والأنشطة التي كانوا يقومون بها داخل غرفة أخرى مغلقة.
أحد المشاركين وصف باحثاً جالساً إلى اليسار أمام جهاز كمبيوتر، وشخصاً آخر في الخلف يقرأ كتاباً. ووصف مشارك آخر باحثاً يجلس إلى اليمين ويكتب ملاحظات بينما كان شخص ثان يجلس إلى اليسار أمام الكمبيوتر.
وبمراجعة سجلات التجربة، تبين أن هذه التفاصيل كانت متوافقة مع ما حدث فعلاً في تلك اللحظات. ويقول منظمو التجربة إنه لم يكن من الممكن للمشاركين رؤية الباحثين بالطريقة التقليدية.
فهل يعني ذلك أن الإسقاط النجمي أصبح مثبتاً علمياً؟
لا.
والباحثون أنفسهم كانوا واضحين في هذه النقطة.
هذه الأوصاف لم تكن جزءاً من النتائج المحددة مسبقاً للتجربة، ولذلك لا يمكن استخدامها علمياً كدليل على أن المشاركين خرجوا فعلاً من أجسادهم.
لكي تصبح مثل هذه الملاحظة دليلاً قوياً، يجب تصميم تجربة جديدة مسبقاً لاختبارها تحديداً، ثم تكرار النتيجة تحت ظروف صارمة ومستقلة.
ماذا قالت الباحثة مارينا وايلر؟
الباحثة مارينا وايلر من قسم الدراسات الإدراكية في كلية الطب بجامعة فيرجينيا شددت على أن الملاحظات الغريبة في الدراسة لا تقدم إجابة نهائية، لكنها قد تساعد العلماء على تصميم اختبارات أفضل مستقبلاً.
وترى وايلر أن قيمة النتيجة غير المتوقعة تكمن في أنها تفتح سؤالاً جديداً قابلاً للاختبار، وليس في اعتبارها إثباتاً فورياً لظاهرة غير مفهومة.
وهذا تحديداً هو الفارق بين الطريقة العلمية والتفسير السريع: عندما تحدث نتيجة غير متوقعة، لا تصبح تلقائياً «حقيقة»، بل تتحول إلى فرضية جديدة تحتاج إلى اختبار مستقل وتكرار.
ماذا يعرف العلماء بالفعل عن تجارب الخروج من الجسد؟
بعيداً عن فكرة الإسقاط النجمي كرحلة حقيقية خارج الجسد، فإن تجارب الخروج من الجسد نفسها موثقة علمياً كخبرة بشرية.
مراجعة علمية واسعة نُشرت عام 2025 ودرست 87 بحثاً منشوراً بين عامي 1987 و2024 وجدت أن هذه التجارب قد تحدث بصورة عفوية أو يمكن تحفيز بعضها بطرق مختلفة، كما ترتبط أحياناً بشلل النوم والأحلام الواعية وحالات أخرى من الوعي المتغير.
المثير أن الأشخاص الذين يمرون بها غالباً ما يصفونها بأنها شديدة الواقعية، وأحياناً أكثر واقعية من الحلم المعتاد.
لكن الشعور القوي بالواقعية لا يحدد وحده سبب التجربة.
فالعلماء يميزون دائماً بين أمرين: هل التجربة حدثت في وعي الشخص؟ نعم. وهل يعني ذلك أن وعيه انفصل مادياً عن دماغه وانتقل إلى مكان آخر؟ لا توجد حتى الآن أدلة علمية حاسمة تثبت ذلك.
الدماغ قد يحمل جزءاً من الإجابة
أحد أبرز التفسيرات العصبية يرتبط بالطريقة التي يجمع بها الدماغ المعلومات المتعلقة بموقع الجسد في المكان.
فنحن عادة لا نفكر في الأمر، لكن الدماغ يستقبل باستمرار معلومات من العينين، والأذن الداخلية المسؤولة عن التوازن، والعضلات والمفاصل والجلد، ثم يدمجها ليبني إحساساً واحداً بسيطاً: أنا موجود هنا، داخل هذا الجسد.
عندما يختل هذا التكامل، يمكن أن يتغير الإحساس بموقع الذات.
وقد ربطت أبحاث عصبية تجارب الخروج من الجسد بمناطق دماغية تقع قرب الوصلة الصدغية الجدارية Temporoparietal Junction، وهي منطقة تشارك في دمج المعلومات البصرية والحسية والمكانية المرتبطة بالجسد.
بمعنى آخر، يمكن تشبيه الدماغ بنظام ملاحة داخلي يرسم باستمرار خريطة لمكان وجود «أنا». وإذا حدث اضطراب مؤقت في هذه الخريطة، قد يشعر الإنسان بأن مركز وعيه انتقل إلى نقطة خارج جسده.
لماذا تحدث لبعض الأشخاص أثناء النوم؟
ترتبط بعض تجارب الخروج من الجسد أيضاً بحالات تقع على الحدود بين النوم واليقظة.
ومن أشهرها شلل النوم والأحلام الواعية، وهي حالات يمكن أن يكون فيها الدماغ في وضع انتقالي غير معتاد؛ يكون جزء من الشخص واعياً بما يحدث بينما تستمر بعض آليات النوم.
وتشير المراجعة العلمية المنشورة عام 2025 إلى أن شلل النوم والأحلام الواعية قد يسهلان حدوث تجارب شبيهة بالخروج من الجسد لدى بعض الأشخاص.
ولهذا قد يقول شخص إنه شعر بأنه يطفو فوق سريره أو رأى نفسه من الخارج ثم استيقظ بعد لحظات.
التجربة نفسها قد تكون مذهلة وقوية، لكن ذلك لا يحسم طبيعتها الميتافيزيقية.
وهل يمكن للعلم نفي الإسقاط النجمي تماماً؟
هنا تصبح الإجابة أكثر دقة.
العلم لا يستطيع ببساطة القول إن كل تصور فلسفي أو روحي عن الوعي «مستحيل»، لكنه يستطيع السؤال: هل لدينا أدلة تجريبية قابلة للتكرار تثبت أن الإنسان يستطيع إرسال وعيه إلى مكان بعيد والحصول على معلومات لا يمكن لحواسه الوصول إليها؟
حتى الآن، الجواب هو: لا توجد أدلة علمية موثوقة ومتكررة تكفي لإثبات ذلك.
الدراسة الحديثة نفسها مثال واضح. الاختبار الذي صمم مسبقاً لقياس قدرة المشاركين على تحديد الصورة السرية أعطى نتائج لا تتجاوز المصادفة.
أما التفاصيل الغريبة التي وصفها مشاركان فتبقى مثيرة للاهتمام، لكنها تحتاج إلى تجربة جديدة تجعل هذه الملاحظات هدفاً محدداً منذ البداية قبل أن يصبح ممكناً تقييمها علمياً.
كما خلصت المراجعة العلمية الحديثة إلى وجود عدة تفسيرات مقترحة لتجارب الخروج من الجسد؛ من التفسيرات النفسية والعصبية إلى فرضيات ما يسمى «الوعي غير المحلي»، لكنها أشارت إلى أن الفرضيات الأخيرة لا تزال بعيدة جداً عن الإثبات العلمي.
التجربة حقيقية.. والتفسير لا يزال موضع السؤال
ربما تكون هذه أهم نقطة في الموضوع.
عندما يقول شخص: «شعرت أنني خرجت من جسدي»، ليس من الضروري التعامل معه كأنه يختلق الأمر. الإحساس نفسه يمكن أن يكون حقيقياً وقوياً للغاية بالنسبة إليه، وقد وثق الباحثون هذا النوع من الخبرات لدى عدد كبير من الأشخاص.
لكن الاعتراف بأن التجربة حدثت لا يعني الموافقة تلقائياً على تفسير واحد لها.
شخص قد يفسرها روحياً، وآخر يراها حلماً واعياً، بينما يبحث عالم الأعصاب عن تغير في الدماغ أو في طريقة دمج المعلومات الحسية.
وهنا تكمن جاذبية الظاهرة: لدينا تجربة بشرية موثقة، لكننا لا نملك حتى الآن تفسيراً واحداً يحسم جميع صورها.
فهل الإسقاط النجمي حقيقة؟
إذا كان المقصود بـالإسقاط النجمي أن الإنسان يشعر بأنه خارج جسده أو يرى نفسه من منظور خارجي، فإن تجارب من هذا النوع حقيقية بوصفها ظاهرة إدراكية وذاتية موثقة.
أما إذا كان المقصود أن الوعي أو «الجسد النجمي» يغادر فعلياً الجسد ويسافر إلى أماكن أخرى ويحصل على معلومات منها، فإن العلم لم يثبت ذلك حتى الآن.
الدراسة الحديثة من جامعة فيرجينيا لم تغير هذه النتيجة، لكنها أضافت تفصيلاً غريباً يستحق الدراسة بطريقة أكثر صرامة.
وربما لهذا تستمر ظاهرة الخروج من الجسد في إثارة الفضول؛ فهي تقع تماماً في تلك المنطقة التي يلتقي فيها ما يشعر به الإنسان بعمق، مع ما يستطيع العلم قياسه وإثباته.
والسؤال لم يعد فقط: هل يمكن أن نخرج من أجسادنا؟
بل ربما السؤال الأكثر إثارة هو: كيف يصنع الدماغ إحساسنا بأننا موجودون داخل أجسادنا أصلاً؟
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
واو
0
حزين
0
غاضب
0
تعليقات (0)