كيف تعيد "كارتييه" صياغة مستقبل الزمن؟

هل تستطيع الحِرف العريقة أن تحافظ على إرثها في عالم سريع التغيّر، وأن تستقطب في الوقت نفسه جيلاً جديداً من المبدعين؟ لطالما شكّل هذا السؤال تحدياً لصناعة الساعات السويسرية، التي لم تواجه تقلّبات الأسواق فحسب، بل أيضاً تراجع اهتمام الأجيال الشابة بالحِرف التقليدية الدقيقة. غير أن ضمان استمرارية هذا الإرث يبدأ من إعادة تقديمه برؤية معاصرة تُلهم الشباب وتفتح أمامهم آفاق الابتكار.

أغسطس 02, 2026 - 21:10
0 176
كيف تعيد "كارتييه" صياغة مستقبل الزمن؟
كارتييه تعيد تصميم الوقت بشكل مبتكر
كيف تعيد "كارتييه" صياغة مستقبل الزمن؟

شهدت مدينة لا شو دو فون السويسرية في 24 يونيو 2026 حدثاً بارزاً، حيث احتفت دار كارتييه بالنسخة الثامنة والعشرين من جائزة مواهب صناعة الساعات المستقبلية. أقيم الحفل للمرة الأولى في دار الفنون الحرفية، وهي المؤسسة التي انطلقت عام 2014 لتشكل حصناً للفنون الدقيقة المهددة بالاندثار، كفنون المينا والتطعيم، ولتخلق مساحة حوار مستدام بين الحرفيين والفنانين.

يأتي هذا الحدث في سياق مرحلة حساسة مرت بها صناعة الساعات السويسرية، حيث واجهت قلقاً حول مستقبلها، ليس فقط بسبب تقلبات الأسواق، بل نتيجة عزوف الشباب عن الانخراط في مهنة توارثتها العائلات لقرون. وأمام هذا التحدي، برزت كارتييه كواحدة من الدور العريقة التي أدركت مبكراً أن القيمة الحقيقية لا تقتصر على الدقة الميكانيكية، بل تمتد لتشمل الاستثمار في صنّاع المستقبل. ومن هذا المنطلق، ولدت الجائزة عام 1995 لتمنح الشباب فرصة لاختبار حدود الإبداع التقني والفني.

وفي هذا السياق، أوضح كريم دريسي، الرئيس التنفيذي للعمليات في كارتييه، أن الدار ومنذ تأسيسها عام 1847 أخذت على عاتقها مسؤولية نقل خبراتها الحرفية وتطوير مهارات تنسجم مع تقاليدها الراسخة في التميز. وأشار إلى أن الجائزة تجسد طموح كارتييه المستمر في إلهام الجيل الصاعد وضمان استمرارية هذه الحرفة.

حملت دورة هذا العام عنوان تغيير التوازن: قراءة الوقت وفهمه بطريقة مختلفة. ولم يقتصر التحدي على مجرد تصميم آلة لقياس الوقت، بل حث المشاركين على إعادة التفكير في مفهوم الزمن نفسه. فقد طُلب من المتنافسين ابتكار قطع مستوحاة من حركة البندول، تستكشف أساليب جديدة للقياس تبتعد عن الطرق التقليدية، وهو نهج إبداعي لطالما تميزت به كارتييه في ابتكاراتها السابقة.

وبعد تصفيات أولية صارمة اعتمدت على تقييم الرسومات والعروض المصورة، تأهل اثنا عشر متسابقاً إلى المرحلة النهائية. وتمثل التحدي الأكبر في تحويل أفكارهم إلى قطع ملموسة تحت إشراف مرشدين متخصصين من داخل الدار. وجاءت النتائج لتعكس أعمالاً إبداعية تتعامل مع الزمن كمفهوم قابل لإعادة التشكيل، وتوزعت الجوائز على فئتين رئيسيتين:

في فئة المتدربين، انتزع أيمريك بيترز المركز الأول عن عمله الصمت المختار، مقدماً ساعة تتوقف عقاربها عند السادسة ولا تعود للعمل إلا باستخدام مفتاح خاص، ليتحول الوقت إلى حالة تُستدعى بدلاً من كونه تدفقاً مستمراً. ونالت ليلى سلايسمانز الجائزة الثانية مناصفة عن عملها نيمفيا، وهي زهرة ميكانيكية تفتح بتلاتها ببطء لتكشف عن الميناء. وشاركها الجائزة إدوار نيكو عن عمله ثنائية الأضداد، الذي أعاد فيه توزيع أدوار الساعة جاعلاً الميناء هيكلاً ثابتاً والآلية الميكانيكية هي العنصر المتحرك.

أما في فئة الفنيين، فقد حصد آرثر شوكيه الجائزة الأولى عن عمله لحظة، مستلهماً العمارة الهوسمانية الباريسية ليربط بين تجربة فهم الزمن والمكان. وذهبت الجائزة الثانية إلى آدم ديروش عن عمله متحجر، حيث جمد العقارب وحرك الأرقام حولها في مفارقة تجمع بين الجمود والحركة المستمرة. بينما نال أدريان ستيفينيلي الجائزة الثالثة عن عمله الصدى، مستغنياً تماماً عن العقارب والميناء لصالح تجربة صوتية إدراكية تحاكي سقوط قطرات الماء.

وعلى مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً، نجحت الجائزة في استقطاب أكثر من ألفي مشارك، لتؤكد كارتييه من خلالها، ومع التحضير لإطلاق الدورة التاسعة والعشرين الخريف المقبل، أن الزمن ليس مجرد وظيفة ميكانيكية، بل مساحة مفتوحة للتخيل والابتكار المتجدد.

 

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
واو واو 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0

تعليقات (0)

User